الأحد، 21 أكتوبر، 2012

قطعة البازل .... البعد الثالث للصورة !


      إذا كنت من هواة الاحتفاظ برسومات الطفولة ثم دفعك الحنين الآن وأنت شخص بالغ  إلي أن تستنشق عبير البراءة والنقاء، فأعدت التأمل فيما خطّته يداك الصغيرتان آنذاك فلاشك أنك ستجد أن عيني الطفل فيك لم تكن تري في الأشياء إلا بعداً واحداً أو بُعدين علي أقصي تقدير- هذا بالطبع فقط إذا كنت موهوباً بالفطرة في تجسيد ما تراه- ولعل هذا هو ما يميز رسومات الطفل عن رسومات ولوحات الفنانين الكبار: كلاهما يري نفس الشئ لكن الفنان يري الأبعاد الثلاثة في الفراغ فيأتي تجسيده أقرب للواقع وللصورة الحقيقية.
      ونحن إذ نمر بهذه الأحداث المتتالية في مصر في أمس الحاجة لأن نري هذا البعد الثالث في حقائق الأمور والأحداث..                                    
المشكلة التي لا نريد الاعتراف بوجودها والتي تصر علي الطفو دائماً بعد كل أحداث احتجاجية، أو ثورية، أو انتخابات، أو استفتاءات للشعب أن الجميع لا يري إلا جانبه والجانب المضاد وينسي أو يتناسي أن هناك جانباً محايداً ينظر بتجرد إلي الجانبين ليختار إلي أين ستكون  
وجهته.                                                     
     هذا الجانب المحايد هو البُعد الثالث للصورة، وهو الأغلبية من هذا الشعب التي تم وصفها بالعديد من المسميات كان أبرزها حزب الكنبة أو الكتلة الصامتة ! هذه الكتلة هي التي أحدثت انقلاباً غير متوقع في نتائج الانتخابات الرئاسية التي تلت سقوط مبارك و التي جاءت صادمة لكل الأطراف حيث انحسرت الإعادة بين مرشحين أحدهما محسوب علي النظام السابق الذي سعت جموع الشعب لإسقاطه، والآخر محسوب علي جماعة الإخوان المسلمين التي كان يُنظر إليها بتخوف وحذر من أغلب فئات الشعب.

   الأحزاب الدينية ولنختر ممثلاً عنها حزب الحرية والعدالة - بما أنه الأكثر تنظيماً والأقدم علي الساحة – وقعت في هذا الخطأ عندما أصرت علي أن هناك جانبين فقط:
 الجانب الأول هو جانب  من يريدون تطبيق الشريعة ومشروع النهضة والذين تعذبوا كثيراً علي أيدي النظام الديكتاتوري السابق لذا فهم يشعرون أنهم الأولي بإدارة هذه البلد التي تحملوا من أجلها الكثير من التعذيب سابقاً،  والجانب الثاني في نظرهم مكون من بقايا هذا النظام  الفاسد أو ما يسمي" بالفلول" مضافاً إليه الإعلام الموجه لتشويه صورهم  و " العلمانيين المعادين للشريعة الإسلامية" وبناءً عليه، فإن أي فرد لابد أن ينتمي لأي من الجانبين: إما جانب أيديولوجية الإخوان المسلمين ،أو أيديولوجية الفلول والإعلام الفاسد والعلمانيين! 
وقد يكون تصرفهم هذا نابع من "سيكولوجية المُعذَب" الذي أفقدته كثرة وألم التعذيب الثقة في الجميع ونمي لديهم الشعور بالاضطهاد وجعلهم يغفلون عن رؤية أي شئ آخر وأي بعد آخر لحقائق الأمور والأحداث.
كان هذا هو الخطأ الفادح الذي وقعوا فيه: أنهم لم يفرقوا بين المحايدين وبين  المترصدين لهم، بين غالبية الشعب المصري الذي وضع ثقته بهم مضطراً لصنع مستقبل أفضل لمصر بعد رحيل مبارك ،وبين بقايا نظام مبارك،  وبالتالي عندما كان أي شخص ينتقد أو يتساءل إما بغرض الرغبة في المعرفة أو النقد الإيجابي أو التعبير عن تخوفات كان يجد جواباً أو تصرفاً دفاعياً من الجماعة واتهاماً بالانتماء للطرف المضاد وانعكس هذا الفكر علي تصريحات بعضهم، و بعض تصرفات وقرارات وأيديولوجية  الحزب في الرغبة في السيطرة علي كل المنافذ التنفيذية والتشريعية في الدولة وكأن لا أحد غيرهم شارك بدمه وماله في تحرير مصر وعُذب مثلهم سابقاً!
ووقع مبارك في ذات الخطأ أيام الثورة عندما حاول تصويرها للجميع علي أنها صراع مع جماعة الإخوان المسلمين فقط وحاول وأدها من خلال مفاوضات مع الجماعة!
وبعد عام من تولي مرسي رئاسة الجمهورية قام هو الآخر وجماعة الإخوان المسلمين
بتكرار تمثيل المشهد ببراعة حيث حاولوا تصوير مظاهرات 30 يونيو والتي أطاحت بمرسي علي أنها مظاهرات للفلول والفاسدين من الشرطة وعناصر أمن الدولة المنحل
والعلمانيين، وتجاهلوا حقيقة أن الملايين الغفيرة التي ملأت كل ميادين ومحافظات مصر لم تكن أبداً لتنتمي لهذه التيارات فقط!
                       
ويبدو أنهم بالغوا في تصديق ادعاءاتهم لدرجة أنهم أقنعوا قطاع عريض معهم بأن الصراع الحالي له قطبين فقط : قطب المسلمين وقطب العلمانيين برعاية الفلول وقيادات الجيش! وللدرجة التي أدخلوا البلاد فيها لصراع دموي مسلح لم تشهده طوال تاريخها السابق
                                   
كلا الطرفين- سواء نظام مبارك المنحل أو نظام الاخوان المنحل أيضاً - تجاهل البُعد الثالث، والكتلة المحايدة التي ينتمي لها أغلب الشعب والتي لم يكن صمتها سوي تأملاً في الأحداث لمحاولة فعل الصواب بناءً علي ما فهمته من طرفي الصراع... فهذه الكتلة لا تنتمي لأي حزب أو  
تيار....أيديولوجيتها الوحيدة ،وانتماؤها الوحيد هو مصر، وكانت هذه الكتلة هي قطعة " البازل " الناقصة لتكوين الصورة  النهائية، وعندما اختارت المكان الذي توضع فيه أسقطت مبارك أيام الثورة وقلبت موازين الانتخابات الرئاسية  السابقة رأساً علي عقب، والآن أطاحت بنظام الإخوان المسلمين الحاكم الذي حاول خلال عام كامل التغلل بطريقة سرطانية في كل منافذ الدولة ولم يبد اعترافاً بل واستهان بهذا البُعد الذي أهمله الجميع قبل ذلك إلي أن لقي نفس مصير من سب.


لذا وجب علي من سيُقدَر له إدارة هذه البلاد مُستقبلاً أن يبدأ في رؤية هذا البُعد المُهمل الذي اشتدت قواه تدريجياً إلي أن أصبح كياناً مؤثراً ومقرراً كي تكتمل الصورة التي نتمناها جميعاً لمصر
                            


السبت، 14 أبريل، 2012

من أزمات الفكر الانساني: وأد الحرية ، وتقنيع العدالة!!


"نحن مجانين إذا لم نستطع أن نفكر ومتعصبون إذا لم نرد أن نفكر، وعبيد إذا لم نجرؤ أن نفكر"......افلاطون
لاشك أن هناك سنناً كونية لا تتغير ولا تتبدل مهما تغير الأشخاص أو الأماكن أو ظروف الأحداث .ذلك أن هناك مقدمات تؤدي دوماً إلي نتائج منطقية مترتبة عليها، ومن العبث أن نظن أننا من الممكن أن نغير النتائج إذا أقدمنا علي نفس المقدمات، لأن نفس الفعل يؤدي حتماً إلي نفس النتيجة.
إذن فالأفضل أن نغير الأفعال من أجل نتائج أفضل، وأول خطوة في التغيير هي الاعتراف بوجود مشكلة ومحاولة تحديدها بدقة ولن يتأتي ذلك إلا بالتقييم المجرد لواقعنا دون تحيز أو تعصب فنكون مثل الطير الذي يحوم عالياً في الآفاق ليري الصورة كاملة دون أن يكون جزءاً منها .
إن أعظم الخطايا دوماً هي تلك التي تنتج عن العقل أو الأسلوب الذي ندين به في التفكير ذلك أنه القائد الذي يوجه بقية الحواس أو حتي الأفراد لفعل الصواب أو الخطأ، وبصلاحه تستقيم الجوارح ،حتي لو صادفت ميلاً وزيغاً عن الحق في بعض اللحظات فسرعان ما سيعيدها لجام الفكر المعتدل والمنطق المجرد إلي صوابها، أما لو فقدنا هذا اللجام فسيحدث دوماً ما لا تحمد عقباه.
والحروب والثورات والصدامات التي امتلأ بها تاريخ البشرية منذ عهد الأنبياء إلي الآن خير دليل علي ذلك ، وسنظل في دوامة لا تنتهي من هذه الصراعات طالما لم نضع أيدينا علي الأزمات والخطايا الفكرية التي نقع فيها مهما اختلفت انتماءاتنا الثقافية أو السياسية أو حتي الدينية.
بدءاً من فرعون مصرالشهير صاحب مقولة :" مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ " سورة غافر-29- ، ومروراً بأشهر ديكتاتوري العصر الحديث أمثال هتلر وموسوليني وفرانكو ومبارك والقذافي وبن علي وغيرهم نجد أن الخطأ المشترك بينهم جميعاً سواء تعمدوه أو وقعوا به لجهالة ألمت بعقولهم المظلمة هو نفس ما وقع فيه فرعون مصر، والفارق الوحيد أنه قال ذلك صراحة أما هم فقالوه تعريضاً وترجموه فعلياً ، جميعهم اشتركوا في تسفيه قدر شعوبهم فعاملوهم كعبيد أو كأطفال صغار لهم حق الوصاية عليهم لأنهم وحدهم هم من يعرفون الصواب ويرون أنه أكبر بكثير من أن تفهمه أو تدركه عقول شعوبهم الضيقة! كان الصواب الذي توهموه جميعاً هو كل ما يضمن بقاءهم ويكرس سلطتهم لأنهم لابد أن يكونوا في أعلي الهرم ليتمكنوا من حفظ أوطانهم ، هكذا توهموا أو هكذا كانوا يحاولون إيهام شعوبهم!
إن واقعنا المصري الحالي يفرض علي جميع من قُدر له تولي أمر هذه البلاد- أياً كان انتماؤه أو صفته- أن يعود قليلاً للوراء ويقرأ التاريخ قراءة متأنية ومتجردة ليقف علي أسباب زوال من كانوا قبله ليتداركها ولا يكرر ما كان يفعله سابقوه من تسفيه واستهتار بعقول الشعوب وإعلان الوصاية الجبرية علي مصائرهم . وعليهم جميعاً أن يدركوا أنهم الآن وبعد تبديل الأماكن ليسوا معصومين من الوقوع في ذات الخطأ الذي حاربوه من قبل والذي ربما ثاروا في لحظة ما بسببه، فليس هناك أيسر علي العقل البشري من إيجاد التبريرات للهروب من محاكمة الضمير الحي وإذ لم نتدارك هذا الأمر فسنجد أننا نقنع العدالة بأقنعة ظاهرها السعي لخدمة الوطن وإعلاء كلمة الدين ومحاربة العلمانية والحفاظ علي مكتسبات الثورة ، وباطنها المصالح الشخصية وتصفية الحسابات ، وتشتيت القوي وتدعيم الفرقة. وإذا كانت العدالة يرمز إليها بشخص معصوب العينين لكي يحكم بالعدل دون أن يري أياً من الخصمين حتي يكون متجرداً في حكمه، فعلينا إذا أردنا تطبيق العدالة أن نكون معصوبي الأعين عن كل مصلحة خاصة أو تعصب قبلي أو حزبي. إن تقنيع العدالة هو الخطوة الأولي نحو وأد الحريات التي مازالت تحبو وتتعثر في خطواتها الأولي، وهو ما شتت وفرق الناس بعد أن توحدوا سابقاً علي نفس الهدف، وهو ما سيمكن الذئب الجائع والثعلب الماكر من التهام القطيع كله وفوق ذلك كله هو ما ينذر بهدم هذا الصرح العظيم الذي بُني بدماء أطهر شباب هذا الوطن . فهلا استفقنا؟!

الأربعاء، 8 فبراير، 2012

خلف الشاشات !!!!!

"خلف الأسوار ".... أحد البرامج القديمة التي كانت تذاع علي التليفزيون المصري وتهتم بتحليل الجرائم وإجراء حوارات مع بعض نزلاء السجون ، و كانت تطالعنا مذيعته بجملتها المعتادة في بداية ونهاية كل حلقة : "خلف الأسوار لا فرق بين النور والظلام ".
ولا أدري لم أشعر أننا الآن قد نشارك السجناء هذا الإحساس! بدءاً من الأيام الأولي للثورة ومروراً بوقائع ومعارك : " الجمل" و" محمد محمود" و " ماسبيرو" و " مجلس الوزراء" و " كنيسة صول" و"اقتحام السفارة الاسرائيلية" و"مذبحة الألتراس" ثم "محمد محمود" مرة أخري وغيرها ... إذا لم يقدر لك أن تكون بداخل أي من هذه الأحداث فتشهد الحقيقة المجردة ، وشاء القدر أن تكون متابعاً لمصير بلدك وشعبك وإخوانك وأنت خلف شاشات التلفاز أو الفيس بوك فمن المؤكد أنك شعرت بهذا الشعور: شعور العجز و الضباب.
خلف الشاشات.... لا فرق بين الحقيقة والخيال، لا فرق بين الصدق والافتراء، لا فرق بين دموع أم ثكلي تدفقت في صمت لعلها تطفئ لهيب قلبها الممزق، وبين دموع أفعي مزقت بدم بارد هذا القلب.
خلف الشاشات...... ومنذ زمن بعيد حتي قبل ثورة يناير منذ بداية الانتفاضة في فلسطين والحرب علي أفغانستان والعراق منذ أبو غريب وجوانتانامو، هناك من يشعر بالعجز فقط قُدر له أن يري اخوته يسحقون ويسحلون ويُضربون وتُلوي أعناقهم ثم يموتون ثم في القمامة يلقون وهو لا يستطيع أن يحرك ساكناً! يبكي يتألم ثم يذهب ليمارس حياته لأنه لا يملك خياراً آخر!!!
خلف الشاشات..... هناك من سئم الوجوه التي اعتادت الكذب، والأفواه التي اعتادت الجدل، واللجان التي تتبعها لجان تتبعها لجان وبرامج "التوك شو" والتصريحات التي لا تسمن ولا تغني من جوع الجميع يتحدث ويجادل الجميع يحلل ثم يحلل ثم يخون أو يكفر ثم ننسي جميعاً حتي يسحقون مرة أخري فنعيد الدائرة نتحدث في المجالس نُشَيّر علي الفيس بوك نحلل نتجادل نُخوِّن نُكفِّر ثم ننسي !!!!
خلف الشاشات.... هناك من قرر النزول وسط الأحداث ليتخلص من الضجيج ويحطم هذا السور الضبابي فيسعف جريحاً أو ينظر بعينيه للحقيقة لا بنظارات عقيمة ليري الأمور من مكان آخر غير الكنبة ! ليتخلص من هذا الشعور الأليم بالعجز فأصبح هو الآخرخبراً ضمن نشرات الأخبار واسماً يضاف للائحة الجدل بلطجي أم شهيد؟ قاتل ام مقتول؟ ثائر أم مخرب؟
فهل يكون الحل هو تحطيم الشاشات؟!
ولا أجد نهاية لمقال عاجز غير اعتذار وطلب صفح من خلف الشاشات لمن هم في قلب الأحداث وتوسل إلي الذين يحتلون الشاشات أن ترحموا من خلفها !!!!

فرعونيزم!

في هذه الأجواء الباردة ومع هبوب عواصف الربيع العربي عاد إلي الساحة الحديث عن مرض قديم حديث يعرف ب"الفرعنة" . المرض الذي تحور وأصبح أكثر شراسة لدرجة أنه قضي خلال عام 2011 فقط علي مجموعة كبيرة من أشهر الزعماء العرب من أمثال مبارك وزين العابدين والقذافي وصالح، وأصاب بشار الأسد بمضاعفات بالغة تنذر بقرب نهايته. لذا -عزيزي القارئ -كان لابد من إلقاء الضوء علي هذا المرض الفتاك و أسبابه و علاجه علها تكون محاولة لتقليل فرص انتشاره و تحوله إلي وباء. تعرف " الفرعنة" لغةً بأنها مشتقة من لفظ "فرعون"، والفرعون هو لقب لحكام مصر في الدولة الفرعونية القديمة واستخدمه القرآن الكريم للإشارة إلي اسم علم لحاكم .ظالم مستبد لمصر في عهد موسي عليه السلام. وتعرف إصطلاحاً بأنها مجموعة من الأعراض الذهنية غير مرتبطة بسن معين تصيب صاحبها بالتقدير المبالغ فيه لذاته وأفكاره و كيانه والتصغير المبالغ فيه لكل من سواه. ومن الأسباب والعوامل التي تزيد من فرص الإصابة: طول البقاء في موقع المسئولية ، وعدم تقبل النقد والبعد عن التقييم المجرد والشوري، وضعف شخصية المرؤوسين ،و قلة عدد البطانة الصالحة والمستشارين الأمناء وأخيراً عدم وجود أهداف واضحة يراد تحقيقها من موقع المسئولية. وتزداد مضاعفاته إذا كنت في موقع حاكم البلاد لكن هذا لا يمنع أنه من الممكن حدوثه علي أي مستوي إداري أدني . أما عن أعراضه فإن الأعراض الأولية في المراحل الأولي من المرض تتسم بالميل إلي الديكتاتورية وكثرة عدد القرارات الفردية وتفضيل أهل الثقة عن أهل الكفاءة وإقصاء الأمناء من مواقع الاستشارة وبالتالي عدم وضع الرجل المناسب في مكانه المناسب والسعي للسيطرة علي كل المواقع التنفيذية. ثم بمرور الوقت ومع زيادة ضعف وتغييب المرؤوسين يتطور المرض ليصيب صاحبه بتضخيم وتعظيم بل وتأليه الذات " مَآ أُرِيكُمْ إِلاّ مَآ أَرَىَ وَمَآ أَهْدِيكُمْ إِلاّ سَبِيلَ الرّشَادِ" سورة غافر " وفي صوره المتطورة يتسم المرض بالبدء في اتهام المعارضين بالخيانة للوطن (غالباً يكثر استخدام كلمة أجندات في هذه المرحلة!) ، وقد يلجأ لاستخدام الشدة معهم ويتنامي الشعور بالامتلاك لدي الفرد ويزداد شعوره بأنه يد السماء التي تحكم الأرض وأن علي الجميع السمع والطاعة . من أهم المضاعفات التي قد تحدث لمريض الفرعنة هي: الخلع ، الطرد والتشهير، المحاكمة و أحياناً القتل
.الخبر السار أن هذا المرض قابل للعلاج لكن يعتمد هذا علي المرحلة التي تم اكتشافه فيها ،ومدي تغلغله وعمقه. وإليك بعض النصائح إذا كنت في المرحلة الأولي وتم تشخيصك باكراً : استمع لمعارضيك، غير مستشاريك، جدد الدماء في كل المواقع، تذكر الهدف الذي من أجله أنت موجود في مكانك ، وحاول أن تري نفسك وأنت خارج رداء الحكم وأخيراً تخلص من كل المواد اللاصقة في محيطك!
أما عن وسائل العلاج في الحالات المتقدمة فقديماً كان يتم الاعتماد علي نظرية الصبر علي المريض حتي توافيه المنية فينحسر المرض بوفاته ، لكن تم التوصل بعد ذلك الي حقيقة هامة وهي أن جينات المرض قد تتوارثها الأجيال مما دفع بالعقل البشري للبحث عن وسائل جديدة: منها العلاج بالثورات وهذا النوع غالباً يستخدم في المراحل الأكثر تطوراً من المرض وانتشاره وهو يقابل التدخل الجراحي غير مأمون العواقب في علاج الأمراض الأخري وعلي الرغم من أنه باهظ التكاليف لكنه قد حقق نتائج جيدة في بعض الحالات وربما لا يحقق النتائج المرجوة أحياناً لكن قد يعزي ذلك إلي أخطاء في تطبيق التقنية فهل يتوصل الباحثون إلي علاجات جديدة للقضاء علي هذا الوباء؟

رمز أم دُمية؟!

"كاتبي العزيز لا أريد أن أعرفك ! " كانت هذه عنوان مقالة للكاتب الشاب ماجد القاضي وفيها كان يشكو أنه كلما أعجب بكاتب معين" وقادته الظروف للتعرف عليه بشكل شخصي عن قرب يصاب بصدمة بين الشخص الذي رآه من خلال الكتابات والشخص الذي رآه علي أرض الواقع فقرر ألا يحاول الاقتراب من أي كاتب يحترمه حتي يظل محتفظاً له بصورة طيبة! لا أدري لم لا تزال هذه المقالة عالقة بذهني إلي الآن ....ربما لأنها تتعلق بنقطة حيوية ومحور هام في حياة كل منا: بالقدوة أو الرمز. هذه الكلمة القليلة الأحرف، العميقة المعني والتأثير والتي تساهم سواء شئنا أم أبينا في تشكيل بعض أو أغلب جوانب حياتنا القدوة سواء كانت في صورة كاتب أو معلم أو سياسي أو فنان أو عالم أو غيره هي رمز جسدنا فيه أغلب قيم الفضيلة التي ننشد الوصول إليها ودوماً تكون آراء هذا الرمز، وكتاباته، وأفعاله وكل ما يصدر عنه هو: المرآة التي تعكس لنا صورنا التي نريد أن نكون عليها، ولسان حالنا الذي نعجز أحياناً عن التعبير عنه، والمصباح الذي ينير ظلام التيه في بعض أوقات حياتنا. غير أننا ولا شعورياً نربط بين الرمز وبين القيمة التي يرمز إليها فيتوحد الإثنان في أذهاننا، إننا إذ نقع في هذا الأمر نطلب من كائن بشري ضعيف أن يرتقي لمرتبة الملائكة وأن يعصم نفسه من زلات وخطايا البشر! أعتقد أن دافعنا لفعل ذلك هو رغبتنا الشديدة في أن تتجسد القيم اللامرئية التي تمنيناها وتعلقنا بجمالها في صور بشرية مألوفة، وعندها نرفض أي خطأ من هذا الشخص سواء تعلق هذا الخطأ بما يرمز إليه أو في أي جانب آخر من الحياة لأن خطأه وقتها يكون -من وجهة نظرنا- إخلالاً بالقيمة ذاتها فنصاب بصدمة كبيرة قد تفقدنا الثقة في كل الرموز وتعمق الشعور بنظريات المؤامرة والنوايا الخبيثة وقد تؤثر سلباً علي حياتنا. وربما لو فرقنا بين الإثنين -بين الرمز كإنسان يحمل صفات البشر وأهمها النقص وعدم الكمال، وبين ما يرمز إليه كقيمة قد يستطيع الوصول إلي قمتها أو يتأرجح صعوداً وهبوطاً علي درجاتها أحياناً- ربما لو فعلنا هذا منذ البداية لهوننا علي أنفسنا ما لاقيناه من صدمات ولقللنا سيل الاتهامات التي تصل أحياناً إلي حد التخوين لرموزنا. لابد أن ندرك جميعاً أننا مثل هذه الرموز، وأحياناً في لحظات الصدق مع أنفسنا قد نري من أنفسنا تناقضات بين ما دعونا غيرنا لفعله وبين ما فعلناه بالفعل في مواقف شبيهة. هل سألنا أنفسنا يوماً لماذا يحب أطفالنا الصغار أن نهديهم دمية؟ ولماذا كنا ونحن في أعمارهم نحب الدُمي ونتعلق بها بهذا الشكل فنمنحها اسماً ونلعب معها ونحادثها أحياناً ونجعلها تنام في أحضاننا؟ هل تعرفون لماذا هذا الحب والتعلق؟ لماذا كانت رمزاً للصداقة والوفاء لنا عندما كنا صغاراً؟ لأنها كانت لا تملك القدرة علي الكلام ولا التعبير عن ذاتها ولم تكن لديها الفرصة لإظهار أي سلوك ، فلم نكن نري منها إلا ما أردناها أن تكون عليه وفق عقولنا ووفق الصورة التي طبعناها لها في إدراكنا وليس كلامي دفاعاً عمن يدعون للفضيلة بهدف مصالح دنيوية خاصة بهم ثم تتبدل أفعالهم عندما تتبدل مصالحهم فهؤلاء لا يستحقون أن يكونوا رموزاً وقد نوه القرآن الكريم لذلك في سورة الصف : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ (2)
كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ" صدق الله العظيم ويقول الشيخ الغزالي رحمه الله : "ليست قِيمةُ الإنسانِ فيما يَصِلُ إليه مِن حقائقَ، وما يَهتدي إليه
مِن أفكارٍ سامية.. ولكن أنْ تكونَ الأفكارُ الساميةُ هي نفسَه وهي عملَه وهي حياتَه الخارجية كما
هي حياته الداخلية" دفعني لكتابة هذه السطور حجم التشويه الزائد لرموز مصرية بدءاً بالرئيس الراحل محمد أنور السادات الذي تحول فجأة في بعض خطب الجمعة لخائن وديكتاتور، ومروراً بالبرادعي الذي اتهموه بأنه لا يحترم التقاليد المصرية وبالعمالة ود.محمد غنيم رائد زراعة الكلي ومؤسس صرح طبي هام بمصر والذي اتهموه بالعلمانية وعدم الالتزام بالدين، ووائل غنيم الذي اتهموه بالماسونية وانتهاءاً بالعالم المصري د.أحمد زويل الذي اتهمه أحد العلماء الأفاضل علي صفحات الفيس بوك بإهدار الأموال في مدينته العلمية الجديدة وانهالت الاتهامات بعد ذلك من المتابعين لتصفه بأنه ينفذ مخطط ومؤامرة أمريكية لإخراج عقولنا الرائدة والمبدعة عن طريق هذه المدينة العلمية !!! أعتقد أن المشكلة ليست في كم هذه الاتهامات والتشويه للرموز ولا فيمن يطلقونها. المشكلة الأكبر تكمن في انتشارها بيننا و تطورها دائماً لتصل لحد الاتهام بالخيانة للوطن والدين والهوية وهذا بدوره إنما جاء كنتيجة طبيعية لما ذكرته سابقاً من عدم الفصل، ومع أول خطأ سواء فعلوه أو ألصق بهم ظلماً نزعنا عنهم كل فضيلة وألبسناهم رداء الشيطان. والآن هل سنعترف أن رموزنا بها جانب بشري قد يخطئ وأنها ليست تلك الدُمي التي كنا نلاعبها صغاراً؟!

الحب الحقيقي

عندما نكون وسط بحر هائج يغشاه الموج من كل جانب ،،، قد تلوح لنا في الأفق هذه السفينة البعيدة في عرض البحر .... نبذل قصاري جهدنا ....نسبح باتجاهها فهي بالنسبة لنا وقتها مصدر الأمان الذي إن وصلنا إليه تخلصنا من الخوف ووصلنا للسكينة
هكذا نظن ... نظل نسبح ونسبح و تدريجياً.... ننسي فضل بدلة الغوص ونظارات الغوص وجهاز العوم "إن صحت الترجمة" ننسي أن لولا هذه الاشياء ما صمدنا ولو قليلاً في رحلتنا ... نعتبرها من المسلمات وننسي أنها الاقرب إلينا
والأكثر ملاصقة لنا حتي أننا من طول تركيزنا علي الوصول للسفينة ( وكم هي عديدة سفن الحياة ) لا نشعر بوجود هذه الأشياء
ولا نعتني بها حتي إذا فقدناها أدركنا فقط وقتها كم كانت هامة
ولربما كان بعض الاهتمام بها كفيلاً لإبقائها !
في بعض الأحيان ،، ننسي أننا محاطون بسترات واقية
تمنحنا السعادة
دون مقابل
لا ننتبه إليها إلا إذا فقدناها
ننسي أن أكثر من يحبنا في هذا العالم
هم
آباؤنا
أمهاتنا،
الأخوات،
الإخوة،
أسرتنا الصغيرة،
العائلة
كل هؤلاء يمنحوننا الحب الحقيقي دون مقابل
هم مصدر السعادة الحقيقية الذي نهمله دوماً
فلا نؤدي واجبهم
وننشغل عنهم دائماً بحركة الحياة التي لا تنتهي
إن أفضل اللحظات
هي تلك التي تكون محاطاً فيها
بأب حنون
بأم محبة
بإخوة وأخوات يرجون سعادتك
يأملون لك الخير
إذا ما من الله عليك بهذه اللحظات
فلتسجد له شكراً
ولتحاول جاهداً أن تستمتع بكل لحظة
فهؤلاء هم الكنز الحقيقي
وحبهم هو الحقيقة الوحيدة
التي لاتتغير ولا تتبدل!