الأربعاء، 20 أكتوبر، 2010

الآخر!

عندما نقرر الخروج من قوقعة واقعنا و محيطنا الادراكي للاحتكاك بالعالم الخارجي فلابد أن نتلقي العديد من الصدمات
المتعلقة بالتعامل مع الآخر الذي يختلف عنا بطبيعته في أفكاره وقيمه ومبادئه وأخلاقياته وطريقة إدراكه للأمور .
والخروج للعالم الخارجي والاحتكاك بالناس وبالآخر ليس خياراً مطروحاً بل هو ضرورة تفرض نفسها وتحدث رغماً عنا
حتي لو كنا نفضل عدم الاحتكاك....فمن لا يريد التعامل مع الآخرين لأنه يبغض سلوكهم فعليه أن يغادر إلي كوكب آخر
لا يوجد به بشر علي الاطلاق!
إذن فالاحتياج للتعامل مع الآخرين غريزة وضرورة ولابد إذن من فهم طبيعة غيرنا وطبيعتنا لكي نفهم طبيعة أي خلافات قد تنشأ بيننا.
ولست في حاجة لأن أذكر أن كثيراً منا يفشل في علاقاته مع الآخرين سواء كانت زوجته أو رئيسه أو مرؤوسيه أو أبناءه أو أصدقاءه
بسبب أنه يتوقع أن الجميع مثله وأنهم لابد أن يسيرون علي خطاه ومنهاجه ومبادئه وهذا لن يحدث أبداً لن لكل منا قوانينه ولكل منا نظرة مختلفة إلي العالم الذي نعيش فيه.
ليست المشكلة في الاختلاف مع من نستطيع إنهاء علاقاتنا بهم لكن المشكلة تكمن في العلاقات السيئة مع من تفرض علينا الظروف أن نتعامل معهم لفترات طويلة.
ففي هذه الحال لابد أن نسعي جاهدين للوصول إلي حل وإلي نقطة في وسط الطريق نلتقي عندها وإلا أصيب أحد الطرفين
أو كلاهما بالتعاسة الحتمية!
هناك الآن العديد من المؤلفات التي تساعدنا علي الاتصال الصحيح مع الآخرين ولست بصدد الحديث عن أي طرق منها لأني لست متخصصة في هذا المجال لكن ذكرت ذلك لأني وجدت رابطاً بين أسباب كثير من المشاكل التي تنشأ بيننا أثناء عملية الاتصال وأورد هنا بعضاً منها:
** نتوقع دوماً أن الآخر لابد أن يكون كاملاً في تصرفاته وليس مسموحاً له أن يخطئ بحقنا ولو اعتذر ولا نلتمس له أي عذر مع أننا في لحظات الغضب قد نؤذي غيرنا وإذا عاتبونا نبرر بأننا لم نكن نعي ما نفعل.
**دائماً نبحث عن الأخطاء التي يرتكبها الآخر ونغفل أن نري أخطاءنا فنقع في نفس ما نتهم به الآخر دون أن ندري ! كم من مرة
وجدت نفسك مناقضاً لما تدعو له ! إنها طبيعة بشرية -الخطأ- وبما أني أخطأت في غفلة فلابد أن أغفر للآخر عندما ينسي ويقع في هذا الخطأ.
** ما المانع أن أنبه المخطئ بأسلوب راقي بعيداً عن سمع الآخرين لأحفظ لها ماء وجهه؟! وإذا كرر الخطأ فلنتصرف بحزم لكن أتحدث عن أننا دوماً ما نظن الظنون بالمخطئ ولا نفكر في مناقشته حتي عن الدافع وراء تصرفه فربما قصد خيراً وأسأنا نحن الفهم أو أنه من وجهة نظره وتبعاً لمفاهيمه لم يظن أن هذا التصرف سيغضب الطرف الآخر.
** دوماً نرسم صورة الملاك أو الشيطان في علاقتنا بالناس فإذا نشب خلاف مع أحدهم نرسم له صورة الشيطان الذي لم يأت بحسنة واحدة في حقنا يوماً ما وهذا خطأ فلابد أن نفرق بين الشخص وبين تصرفه "أحب الناس وأكره أفعالهم" .
**نلوم المخطئ إذا أخطأ ولا نمتدحه إذا فعل صواباً!
وكنتيجة حتمية لما سبق نحاول دوماً تطبيق مقولة "ن لم تكن معي فأنت ضدي"فإذا فشلت علاقتي بانسان ما فلابد أن يكرهه محيطي مثلما أكرهه وإلا انقلبت إلي عدائهم أيضاً!
فالمسؤول الذي اعتاد توبيخ الموظفين الجدد
علي سبيل المثال ومحاولة اقناعهم بأنهم فاشلون ومستهترون سيكسب عداءهم بلاشك حتي لو كان عداءًخفياً ويتسبب في كرههم للعمل
وسيؤثر علي سير العمل لأنهم سيعادون كل موظف آخر علي وفاق معه.
ولكن إذا رحم ضعفهم واتبع أسلوب النصح الراقي والصبر عليهم فلابد أن النتيجة كانت لتختلف كثيراً في هذه الحالة.
سقت مثال المدير بالمرؤوس الجديد لأنها تجسد علاقة القوي بالضعيف ...علاقة من يعلم مع من يجهل ...علاقة لابد أن يشوبها الصبر والرحمة والرفق في النصح والتماس العذر وهكذا هي كل علاقاتنا الانسانية قد تكون مع من هو أضعف أو من هو أقل علماً أو مع من هو أصغر فإذا رحمنا هؤلاء فلابد أننا في تعاملنا مع من هم أقوي وأعلم وأكبر سنجد منهم المعاملة التي نرجوها.
إذن فلنعامل الناس مثلما نحب أن نتعامل به إذا كنا في أماكنهم .
فمن المستحيل أن نكون دوماً في حال واحدة ...من المستحيل أن نظل نمثل الجانب الصائب أو المخطئ دوماً فتارة نكون الخاطئ بحق الآخر
وتارة نكون من أخطأ الآخر بحقه ومن أشد الخطأ أن نظن أننا ملائكة أو أن الآخر شيطان فعندما تظن أن الآخر شيطان
فاعلم أن ظنه بك لا يقل عن ذلك وإذا كان يزعجك أن يمثلك الآخر بصورة الشيطان وتجهد نفسك في التماس العذر لتحسين صورتك فاعلم أن الآخر سيزعجه ذلك أيضاً وعنده المبرر لكنك فقط لم تسمح له بأن يريك اياه!