الأربعاء، 2 ديسمبر، 2015

تموجات فكرية !

تم نشر المقال علي موقع ساسة بوست علي الرابط التالي : 
http://www.sasapost.com/opinion/ripple-thought/

          إذا كنت من متابعي موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك" فلعلك لاحظت مؤخراً كثرة تعليقات مستخدميه عما يشعرون به تجاه  آرائهم و مشاركاتهم علي هذا الموقع منذ عدة سنوات خصوصاً بعد أن أضاف مؤسسو الموقع هذه الخاصية التي تجعل في إمكانك  استرجاع ما كتبته او شاركته في مثل هذا اليوم منذ عام أو أكثر ! و العبارة المشتركة التي يستخدمها القطاع الأكبر منهم تعليقاً علي ذكرياتهم :أنهم يشعرون وكأن شخصاً آخر هو الذي كان يفكر أو يكتب أو يناقش.! في إشارة إلي الشعور بالتغيير الكبير الذي تصبح عليه شخصياتنا بمرور الزمن والأحداث والتفاعلات معها .

ولعل ما يزيد من هذا الشعور بالغربة عن ذواتنا القديمة هو أن هذه التغييرات تحدث ببطء وتدريجياً فلا نشعر بها إلا عندما تتراكم فتصنع تغييراً ملحوظاً كقطرات الغيث المتكرر سقوطها علي ذات الصخرة فتحفر فيها نفقاً ضحلاً تتضح معالمه وتزداد عمقاً بعد حين !                            
وإذا تأملت في هذه التقلبات والتموجات في ردود أفعالنا وقيمنا الحاكمة لها ونظرتنا لكثير من الأمور في حياتنا فيمكن القول بأننا نتقلب في أحيانِ كثيرة بين ثلاث مراحل : مرحلة الطفولة الفكرية، مرحلة العواصف الفكرية وأخيراً مرحلة النضوج الفكري.
وهو ليس تقسيماً مبنياً علي أساس علمي لكنه مجرد تقسيم تحليلي تأملي "لتموجاتنا الفكرية"  –إن صح التعبير- !

          ففي خلال مرحلة الطفولة الفكرية يكون الشعور الغالب لديك هو الحب الفطري للأشياء والأشخاص . تتجسد لديك صورة الأب في كل شخص تراه يقارب عمر أبيك ، وصورة الأم في كل من تمتلك صوتها أو ملامحها ....تشعر دوماً أن الكبار لابد أن يكونوا  علي الصواب دائماً في كل أفعالهم وكلماتهم إذ كيف يخطئ أبي أو أمي أو معلمي ؟!! ..تعتاد أن تسلم  لقراراتهم  دون أن تسألهم لماذا ، فأنت تعلم في  قرارة نفسك أن هناك أشياءً، وأحداثاً أكبر منك لابد أن يتولاها الكبار كي تجد أنت وقتك للعب والمتعة ، واستكشاف عالمك الصغير .هذا التسليم دوماً يشعرك بالأمان لأن هناك من يتولي أمورك بدلاً منك وهناك من يدفع عنك دوماً كدر الحياة .
        تسعدك أقل الأشياء وأبسط الكلمات ...فكلمة مديح صغري كفيلة بجعل قلبك الصغير يتطاير فرحاً ، وكفيلة بجعلك تظن بأنك الأفضل دوماً وبأنك تعلم كل شئ وستنجح في أي شئ ، وعلي النقيض فإن كلمة جارحة  كفيلة بإفقادك الثقة في ذاتك وإشعارك بالخوف وكفيلة بجعلك تبكي بحرارة في انتظار من يمد إليك يده ليجفف دموعك ويحتضنك مثلما كانت تفعل أمك !

 تري المطلق في الأشياء ....لا وجود للنسبية في حياتك او نظرتك للأمور ...الكبار لا يخطئون ...الناس لا يكذبون.... ..التاريخ الحقيقي كما هو موجود بالكتاب المدرسي. ... الطب أفضل مهنة....الناس إما طيب أو شرير ... تنتظر نهاية الفيلم السعيدة والمثالية دوماً .....كل التصنيفات تتراوح بين الأبيض والأسود ..بين الخير والشر..سقف آمالك واحتياجاتك وطموحاتك دوماً محدود ..قد لا يتجاوز المأكل والمشرب والأمان والتقبل من الأخرين.أنت لم تدخل بعد مرحلة إرادة تحقيق ذاتك واكتشاف نفسك وما تنفرد به عن الآخرين ..أنت لم تدخل بعد مرحلة أن تكون صانع الفعل لا ردة فعل له !

في الطفولة الفكرية  تشعر بالارتياح أن هناك من يتولي أمورك وأن هناك من تتكأ عليه وتعتمد عليه ..أن هناك من سيأتي لك بحقك وسيحميك إذا أخطأ فيك الآخرون ...أن هناك من سيأخذ قرارك عنك. لا تستطيع ان تداوي جروحك وكسورك بنفسك ..أنت دوماً في انتظار كلمات المواساة من الخارج ..أنت دوماً في انتظار حضن أمك وطمأنة أبيك ..أنت دوماً في انتظار من يرمم الكسور والشروخ التي تحدث تدريجياً بسور الأمان القديم !
ورغم أنها مرحلة اعتمادية ..تكون  فيها دوماً ردة الفعل وليس الفعل ذاته إلا أن أجمل ما فيها هو الحب والبساطة ، لم يتلوث قلبك بعد في هذه المرحلة بالحقد والغل والكره والحسد ، ولم يثر عقلك بعد التساؤلات المركبة عن كل شئ وعن أي شئ !

وليست هذه المرحلة قاصرة أبداً علي السن الصغير ، فالإنسان قد يعيش ويموت ولم يخرج أبداً من هذه المرحلة باعتماديتها و نظرتها المطلقة لكل شئ ... قد يظل حبيساً في الطفولة الفكرية متمسكاً بالاعتمادية والسلطة الأبوية والنظرة المطلقة للأشخاص والأحداث!!!!

          ومع مرور الزمن وازدياد تصادماتك في الحياة تدخل في مرحلة العواصف الفكرية حيث تكون مجبراً علي الخروج  والاحتكاك بشكل أكبر بالعالم الخارجي الذي  كونت عنه صوراً ذهنية مسبقة في مرحلة الطفولة الفكرية وبداية استكشاف الحياة من حولك ...كنت تنظر إليه دوماً علي أنه امتداد لك ولعالمك ..كان حكمك المسبق عليه أنه لابد أن يكون مرآة تعكس صورتك وقيمك وأخلاقك وأهدافك...لابد أن يعاملك الناس بمثل ما تعاملهم به ...لابد أن تكون قيمك هي الحاكمة لردود أفعالهم تجاهك...لابد أن يكون هناك معني واحد لكل كلمة،  ومقصد واحد لكل تصرف،     لابد أن يصطبغ كل شئ باحدي اللونين الأبيض أو الأسود ..الخير أو الشر .
لا تفهم معني الاختلاف ولا التكامل،  وتبدأ في التعامل بندية مع كل من يتبني موقفاً مخالفاً أو رأياً مغايراً .. لقد وضعت من قبل إحدي المسلمات التي تقضي بأنك دوماً تقف في الجانب الأبيض وبناء علي ذلك فلابد أن يقف الآخر المختلف في الجانب الأسود.ستحاول دوماً أن تثبت أن خصمك هو الغارق في غيابت جب الظلم  والجهل والضلال ..تارة بالعلم وتارة بالعرف وتارة بالدين .
تبدأ في البحث عمن يماثلك فكراً واتجاهاً لتتستقوي بهم في مواجهة الآخر...تستمد منهم الأمان في هذه المرحلة بعد أن كنت تستمده من والديك في مرحلة الطفولة الفكرية.
تدريجياً تتزايد الأحداث و الإحتكاكات والصدمات والعواصف الفكرية في كل ما كان مسلماً به في ذهنك ....يتزايد عدد من أسكنتهم الجانب الأسود ...تتسع دائرة الظلام  التي رسمتها من حولك وتضيق هالة النور التي تقف وسطها إلي حد مخيف .... تبدأ في فقدان الأمان مع كل انهيار لقدوة ...لرمز... لقيمة ...تشعر أنك وحدك ..يزداد شعورك بالظلم تارة والوحدة  تارة أخري...ترغب في الانسحاب والعزلة   ،  و قد يمتد الاحتكاك والتصادم إلي نطاق السور الداخلي الذي طالما احتميت بداخله في مرحلة الطفولة الفكرية .. قد تشعر بأنه أصبح ضيقاً وخانقاً لذاتك الجديدة ..تبدأ في الثورة  والتمرد علي كل القيود وتبدأ في وصف الكبار- المنزهين عن الخطأ في مرحلة طفولتك الفكرية –" بالعواجيز " وتبدأ في ترديد عبارة صراع الأجيال كثيراً ..تحاول أن تضعهم  هم أيضاً في خانة .."اللون الأسود" ..                                         !
هذه المرحلة هي الأخطر دوماً ، فقد تلقي بك إلي سجن الانسحاب والكآبة وعدم القدرة علي التعامل مع هذا المجتمع المغاير لتصورك ، وقد تدفع بك لمحاولة إعادة هذا المجتمع الحائد عن الصواب إلي رشده بطريق العنف والقوة ، وقد تسلمك إلي مرحلة النضوج الفكري التالية .... ولكن من المؤكد أنها ستغيرك جذرياً ،  وستجعل منك إنساناً مختلفاً عما كنت عليه ،وستترك في ذاتك أثراً لا يمكن نسيانه ولا نسيان نتائجه!
أما عن مرحلة النضوج الفكري فقليل هم من يجتازون مرحلة "العواصف" الفكرية بسلام نسبي ليصلوا إلي ضفة النضوج الفكري والشعوري ولا أدري هل استعمال كلمة "نضج" هي الأمثل لوصف الحالة التي يصل إليها الناجون من الاهتزازات والعواصف والزلازل الفكرية أم الأفضل استعمال تعابير أخري مثل "التأقلم" أو " الوصول للنسبية الفكرية" إن صح التعبير. 
لأن أهم ما يميز هذه المرحلة هي برودة المشاعر تدريجياً ،فلم تعد هناك هذه الثورية الجمة ولا الغضب السريع . لم يعد هناك الحزن المبالغ فيه ولا الفرح المبالغ فيه أيضاً ...تتساقط المسلمات و ينهار المطلق وتبدأ في رؤية النسبية في تركيبة كل شخص و في تحليل كل موقف ..تبدأ حبال اللون الرمادي وكل الألوان الأخري تربطك تدريجياً بهذه الجزيرة التي قمت بنفي كل من يختلف عنك فيها مسبقاً ...تبدأ في رؤية جوانب لم ترها من قبل في خصمك ..تحاول أن تفكر بعقله هو لا بعقلك أنت .....تحاول أن تركز علي النقطة المضيئة في كيان خصمك المظلم لأجلك أنت لتتسع دائرة النور من حولك..
.....تبدأ في الحوار و.في فهم معني التكامل .. تبدأ في الدفاع عن حق خصمك إذا ظٌلم دفاعاً عن وجود القيمة .  
في هذه المرحلة تستمد الأمان من وجود القيم وتحققها مثل العدل والحرية والمساواة وغيرها ..تستمد الأمان من تجردك في طلبها .
غير أن أسوأ ما في هذه المرحلة هو التبلد التدريجي ..لم تعد هناك فرحة الأطفال بأبسط الأشياء
ولم يعد هناك غضب وثورة الشباب علي أتفه الأشياء ..تشعر وكأنك أصبحت  فجأة كهلاً في مشاعرك ،وربما كان هذا هو تأثير أحداث مرحلة العواصف الفكرية.
     
  

ونحن نتقلب دوماً بين هذه المراحل الثلاث في مراحل نمونا الفكري وهي غير مرتبطة بسن فقد تري كهلاً لم يخرج من مرحلة الطفولة الفكرية وقد تري شاباً صغيراً قد وصل لمرحلة النضوج الفكري وقد تري متخبطين كثر سجنوا في ظلام مرحلة العواصف الفكرية ...وقد تصل للنضوج الفكري تارة ثم تأخذك أمواج الحياة مرة أخري لمرحلة العواصف الفكرية المتتالية والعنيفة لتسلمك إما لنضوج فكري أكثر أو لحالة فكرية جديدة !!!